فخر الدين الرازي

11

تفسير الرازي

في الإعادة ، إلا أن الكعبي ذكر ههنا كلمات فنذكرها ونجيب عنها ، فقال إن الله تعالى مدح نفسه بقوله * ( الله خالق كل شيء ) * وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح أن يحتج المخالف به ، وأيضاً فلم يكن في صدر هذه الأمة خلاف في أعمال العباد ، بل كان الخلاف بينهم وبين المجوس والزنادقة في خلق الأمراض والسباع والهوام ، فأراد الله تعالى أن يبين أنها جمع من خلقه ، وأيضاً لفظة * ( كل ) * قد لا توجب العموم لقوله تعالى : * ( وأوتيت من كل شيء ) * ( النمل : 23 ) * ( تدمر كل شيء ) * ( الأحقاف : 25 ) وأيضاً لو كانت أعمال العباد من خلق الله لما ضافها إليهم بقوله * ( كفاراً حسداً من عند أنفسهم ) * ( البقرة : 109 ) ولما صح قوله * ( ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ) * ( آل عمران : 78 ) ولما صح قوله * ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ) * ( ص : 27 ) فهذا جملة ما ذكره الكعبي في تفسيره ، وقال الجبائي : * ( الله خالق كل شيء ) * سوى أفعال خلقه التي صح فيها الأمر والنهي واستحقوا بها الثواب والعقاب ، ولو كانت أفعالهم خلقاً لله تعالى ما جاز ذلك فيه كما لا يجوز مثله في ألوانهم وصورهم ، وقال أبو مسلم : الخلق هو التقدير لا الإيجاد ، فإذا أخبر الله عن عباده أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل ، فيصح أن يقال إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجداً له . واعلم أن الجواب عن هذه الوجوه قد ذكرناه بالاستقصاء في سورة الأنعام ، فمن أراد الوقوف عليه فليطالع هذا الموضوع من هذا الكتاب ، والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( وهو على كل شيء وكيل ) * فالمعنى أن الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير منازع ولا مشارك ، وهذا أيضاً يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، لأن فعل العبد لو وقع بتخليق العبد لكان ذلك الفعل غير موكول إلى الله تعالى وكيلاً عليه ، وذلك ينافي عموم الآية . ثم قال تعالى : * ( له مقاليد السماوات والأرض ) * والمعنى أنه سبحانه مالك أمرها وحافظها وهو من باب الكناية ، لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي بيده مقاليدها ، ومنه قولهم : فلان ألقيت مقاليد الملك إليه وهي المفاتيح ، قال صاحب " الكشاف " : ولا واحد لها من لفظها ، وقيل مقليد ومقاليد ، وقيل مقلاد ومقاليد مثل مفتاح ومفاتيح ، وقيل إقليد وأقاليد ، قال صاحب " الكشاف " : والكلمة أصلها فارسية ، إلا أن القوم لما عربوها صارت عربية . واعلم أن الكلام في تفسير قوله * ( له مقاليد السماوات والأرض ) * قريب من الكلام في قوله تعالى : * ( وعنده مفاتح الغيب ) * ( الأنعام : 59 ) وقد سبق الاستقصاء هناك ، قيل سأل عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله * ( له مقاليد السماوات والأرض ) * فقال : " يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك ، تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر ، سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير ، يحيي ويميت هو على كل شيء قدير " هكذا نقله صاحب " الكشاف " .